ابن الوزان الزياتي

32

وصف افريقيا

ولكن ماذا أقول عن المتعة التي سيحصل عليها الأدباء والدارسون ؟ ومن ذا الذي يرتاب في أن العديد من الأشراف والأمراء ستنشرح نفوسهم من هذه المطالعة ؟ ومن حق هؤلاء أكثر من سواهم أن يعرفوا أسرار هذا الجزء من العالم وخصائصه ، وتفاصيل تلك المناطق وأقاليمها ومدنها ، والعلاقات المتبادلة بين الأشراف وبين الأقوام التي تسكنها ، حتى لو كانوا مطلعين ، أو عرفوا بعض الحقائق من أشخاص آخرين سبق لهم أن جابوا هذه الأقطار ، أو قرأوا ما كتبه هؤلاء ، أو استمعوا إلى ما سردوه عليهم ، وكان لديهم بفضل ذلك فكرة مسبقة عن عدد هذه المواقع واتساعها ، فإني لعلي يقين أنهم عند مطالعة هذا الكتاب ، وبعد الإلمام بما يحتويه ، وما هو معروض فيه ، سيظهر لهم أن المعلومات التي لديهم تبدو بالمقارنة مع مكنونات هذا الكتاب ، معلومات مبتسرة وناقصة وقليلة القيمة ، تلك هي الثمرة التي سيجنيها القراء من هذا الكتاب والتي ستوفر لهم كل ما يحبون . ولقد تردد مؤلّفنا ( يقصد جان ليون ) كثيرا على قصور أمراء بلاد المغرب ، كما اشترك معهم في عدة حملات حربية ، في عصرنا ، وسأروي عن حياته ما ورد عن أشخاص جديرين بالثقة من الذين عرفوه وترددوا عليه في روما . لقد كان مغربيا مسلما ، ولد في غرناطة ، وعندما استولى الملك الكاثوليكي على هذه المملكة ، كان هذا في جملة الذين التجأوا إلى بلاد المغرب مع أسرته ، وأتمّ تحصيله بالعربية في مدينة فاس . وقد كتب في هذه اللغة عدة مؤلفات في علم التاريخ ولكنها لم تصل إلينا حتى الآن ، فضلا عن كتاب في علم النحو يقول الأستاذ يعقوب مانتينو أنه بحوزته . ولقد جاب كل أرجاء الشمال الإفريقي ، وبلاد السودان ، وجزيرة العرب ، وبلاد الشام ، مسجلا كل ما رآه وما سمعه . وفي آخر مرحلة سقط في الأسر ، في جزيرة جربه ، في عهد البابا ليون ، بواسطة أحد مراكب القرصان . وقد اقتيد إلى روما حيث قدم هدية لقداسته . ولما رآه البابا ، وأدرك أنه يهتم بقضايا الجغرافيا ، وأنه سبق أن ألف كتابا يحمله معه ، أكرم وفادته وأثنى عليه كثيرا ومنحه مرتبات طيبة كي لا يغادر البلاد . وبعدئذ ناشده أن يعتنق النصرانية وأوصله لذلك ومنحه اسميه جان وليون . وهكذا سكن ليون مدة طويلة في روما بعد ذلك . وتعلم فيها اللغة الإيطالية قراءة وكتابة وترجم كتابه من العربية قدر استطاعته . وهذا الكتاب الذي كتبه بيده وصل إلينا في أعقاب أحداث عديدة سيكون ذكرها نوعا من إسهاب . أما نحن فقد بذلنا أحسن عناية بإمكاننا وقد اجتهدنا في سبيل إخراجه للنور ، بكل أمانة ، على الصورة التي يقرأ فيها الآن .